أبي حيان الأندلسي

32

البحر المحيط في التفسير

وقال أبو مسلم : احرسنا من الشيطان وشر أنفسنا حتى لا نزيغ . وقال الزمخشري : لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا ، أو : لا تمنعنا ألطافك بعد أن لطفت بنا . انتهى . وهذه مسألة كلامية : هل اللّه تعالى خالق الشر كما هو خالق الخير ؟ أو لا يخلق الشر ؟ فالأول : قول أهل السنة . والثاني : قول المعتزلة . وكل يفسر على مذهبه . وقرأ الصديق ، وأبو قائلة ، والجراح : لا تزغ قلوبنا ، بفتح التاء ورفع الباء وقرأ بعضهم : لا يزغ بالياء مفتوحة ، ورفع باء قلوبنا ، جعله من زاغ ، وأسنده إلى القلوب . وظاهره نهي القلوب عن الزيغ ، وإنما هو من باب : لا أرينك هاهنا . ولا أعرفن ربربا حورا مدامعه أي : لا تزغنا فتزيغ قلوبنا بعد إذ هديتنا . ظاهره الهداية التي هي مقابلة الضلال . وقيل : بعد إذ هديتنا للعلم بالمحكم ، والتسليم للمتشابه من كتابك ، و : إذ ، أصلها أن تكون ظرفا ، وهنا أضيف إليها : بعد ، فصارت اسما غير ظرف ، وهي كانت قبل أن تخرج عن الظرفية تضاف إلى الجملة ، واستصحب فيها حالها من الإضافة إلى الجملة ، وليست الإضافة إليها تخرجها عن هذا الحكم . ألا ترى إلى قوله تعالى : هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ « 1 » ؟ يَوْمَ لا تَمْلِكُ « 2 » في قراءة من رفع يوم ؟ وقول الشاعر : على حين عاتبت المشيب على الصبا على حين من تكتب عليه ذنوبه على حين الكرام قليل ألا ليت أيام الصفاء جديد كيف خرج الظرف هنا عن بابه ، واستعمل خبرا ومجرورا بحرف الجر ، واسم ليت ، وهو مع ذلك مضاف إلى الجملة ؟ . وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً سألوا بلفظ الهبة المشعرة بالتفضل والإحسان إليهم من غير سبب ولا عمل ولا معاوضة ، لأن الهبة كذلك تكون ، وخصوها بأنها من عنده ، والرحمة

--> ( 1 ) سورة المائدة : 5 / 119 . ( 2 ) سورة الانفطار : 82 / 19 .